نحن نمر بكثيرٍ من الظروف والمواقف التي لا تليق فيها الابتسامة أو التأييد كرد فعلٍ لها، كما لو أن أحداً ينقذ شخصاً ما من الغرق، فهو لا ينزل إلى الماء ويروي له الطرائف المضحكة ليهدئ من روعه، بل يندفع نحوه بأقصى سرعةٍ ليدفعه باتجاه بر الأمان بكل ما أوتي من قوة.

ولو قام هذا الشخص بمقاومة من ينقذه أثناء غرقه، فلا بد من إيقافه ومنعه بأعنف الطرق حتى يصبح إنقاذه من الغرق ممكناً.

وكذلك الأمر بالنسبة لطبيبٍ جراحٍ يجري عمليةً نوعيةً ودقيقة، حيث يكون هذا الطبيب في قمة الجدية والتركيز، لأن الخطأ في مثل هذه الحالة قد يودي بحياة المريض. تخيّل أن طبيباً يمازح الكادر الطبي ويسرد لهم القصص المضحكة داخل غرفة العمليات! سيبدو هذا الطبيب مختلاً عقلياً أو عديم المسؤولية.

فشخصية الطبيب أثناء ممارسته لمهنته تتسم بالجدية، على الرغم من أنه قد يكون لطيفاً وودوداً جداً خارج أوقات عمله.

فذلك الرجل الذي ضرب الغريق حتى أغمي عليه وتمكن من سحبه إلى اليابسة قد كان أباً ينقذ ابنه، أو أخاً يحافظ على حياة أخيه، لكنه كان في موقفٍ حرجٍ وصعب، فحمل مسؤولية هذا الموقف وتمكّن من تجاوزه بنجاح، لأنه استطاع التمييز بين لحظات الجد ولحظات الفكاهة.

ليس هناك أي تناقضٍ بين أن يعيش الإنسان حياةً سعيدةً ويتمتع بحس الفكاهة وبين أن ينفعل ويكون حازماً عندما تصادفه مواقف يشعر فيها بالخطر، ومواقف الخطر هذه هي ما أتكلم عنه دائماً في مقاطع الفيديو الخاصة بي.

على سبيل المثال، عندما مضى عليّ عشرون عاماً لم أعرف خلالها أن أنتظم في أداء الصلاة، شعرت بالخطر المحدق فقمت بتصوير مقطع فيديو اسمه “لا أعرف كيف أداوم على الصلاة”.

مضى عليّ عشرون عاماً، ولم أدرك بعد حكمة رب العالمين في خلقي، فهذه كارثةٌ أشعرتني بالخطر أيضاً، ودفعتني لأتكلم بمقطع فيديو عن حكمة الله تعالى في الخلق.

ليس الترفيه هو الغاية من كل مقاطع الفيديو التي أصورها حتى أظهر بمظهر الشخص الطريف المازح، بل تكمن الغاية فيما أفعله بمعالجة كارثةٍ ما، فأتكلم عنها بمنتهى الجدية. وفي كل مرةٍ أرفع فيها مقاطع فيديو لي تفاجئني مئات التعليقات التي تستنكر أسلوبي وتطالبني بالضحك والتبسّم، وكأن ذلك أصبح فرضاً على أي شخصٍ يريد التحدّث عن أمور الدين.

كيف نكلم شخصاً ما عن تعاليم الدين الإسلامي وهو يرتكب المعاصي ليل نهار، ولا يصلي ولا يصوم ولا يؤدي أي عبادةٍ؟

هل نكلمه مع ابتسامةٍ عريضةٍ وبأسلوبٍ لطيف ونقول له بالتدريج إن هذا الطريق سيودي به إلى جهنم؟

هل نصوغ له هذا الكلام في دعابةٍ أو طرفةٍ مثلاً حتى يستمع إلينا ولا ينفر من دين الإسلام؟

لا يعتبر هذا الأسلوب خاطئاً دوماً، فمن الصواب أن نبتسم لإنسانٍ عاصٍ وبعيدٍ عن منهج الله ونعامله بلطفٍ ونبشره بأن الله توابٌ رحيم، وذلك عندما نلمس بداخله الخوف والذل والانكسار بسبب معصيته.

وقد نتبسّم أيضاً عندما نتحدث عما إذا كنا سنصوم ستة أيامٍ من شهر شوال بشكلٍ متتالٍ أم بشكلٍ متقطع، أو عندما يكون الحديث عن أفضل توقيتٍ لإخراج زكاة الفطر، أو أفضل أسلوبٍ تدفع به الصدقات.

ولكن، كيف أكون لطيفاً عندما أوجه كلامي لشخصٍ يقول إن الله ظلمه، ويجد ذلك مبرراً لنفسه ليظلم الآخرين ويأكل حقوقهم ويرتكب شتى أنواع المعاصي؟

وكيف أتكلم بهدوءٍ مع من يهدر ساعات عمره وهو غارقٌ في دوامة المعاصي، وأنا أريد أن أوقظه من غفلته وأهزه بقوةٍ؟

يجب أن نراعي كل تركيزنا وانتباهنا لأجل أولئك العصاة، فنتوتر لأجلهم ونخاطبهم بقسوةٍ حباً بهم وخوفاً عليهم.

أقول لمن يريد مني أن أتكلم بأسلوب الود والابتسامة بحجة أن سيدنا محمداً عليه الصلاة والسلام كان بساماً ضحاكاً:

هل سيبتسم سيدنا محمد لو مشى في شوارعنا ورأى فيها ما نراه؟

ألم تقرأ عن رسول الله سوى أنه كان يبتسم فقط؟

ألم تقرأ أنه كان يغضب وتحمر وجنتاه إذا ما انتهكت محارم الله؟

ألم تسمع عن غضبه عندما جاءه أحد الصحابة يتوسط لامرأةٍ من أشراف القوم في حدٍّ من حدود الله؟

أنا أتكلم هنا بشكلٍ جدّي لأن المواضيع التي أناقشها تتطلب ذلك، فأنا عندما أخطئ وأكون غافلاً عن طاعة الله أتمنى دوماً أن يأتي من يعنفني ويوقظني من غفلتي، لا أن يأتي من يلاطفني ويشعرني أن الأمور كلها بخير، علماً أنني في الحقيقة أسير نحو درب الهاوية.

أصبحنا نرى من يغش ويكذب ويرشو ولا يقرب الصلاة، ويأكل حقوق الناس ويحضر الحفلات والسهرات، فهو فعلاً كمن يعيش بغيبوبةٍ فاقداً لوعيه وإدراكه.

عندما يفقد الإنسان وعيه يتم صعقه بالكهرباء أملاً بأن يعود قلبه للخفقان من جديد، فمجرد الجلوس بجانبه والتربيت عليه لن ينجح في محاولة إيقاظه من غيبوبته.

وما يثير غضبك هو أن الإنسان في الأصل عبارةٌ عن مجموعةٍ من العواطف والانفعالات التي يجب أن يقوم بتفريغها كي يستطيع العيش بسلامٍ داخلي. فالحب والخوف والكره والجدية والالتزام والفرح والغضب، كل هذه المشاعر موجودةٌ داخل كل واحدٍ فينا.

أما من يطلب مني أن أضحك ولا أقطب وجهي كي لا أنفره من الدين، فلا تعتقد أبداً أن حياته كلها ضحكٌ ولهو، فهو قد يفرط في صلاته أملاً بأن الله غفورٌ رحيم، لكنه لا يفرط أبداً في مشاهدة مباراةٍ لكرة القدم، ويغير مواعيده لأجلها، ويفعل كل ما بوسعه من أجل متابعتها.

وتلك التي تترك طاعة الله لتتابع مسلسلاً فتتفاعل معه وتفرح وتبكي مع الممثلين، وتعيش مع لقطاته بكل مشاعرها، فهي جديةٌ من أجل هذه المواقف التافهة التي ستؤدي بنا إلى ما لا تحمد عواقبه.

رأينا نماذج لأشخاصٍ كانوا يتابعون مباريات الأهلي والزمالك في الوقت الذي كنا نرى فيه بالصوت والصورة كيف كان إخوتنا وأطفالنا وأمهاتنا في فلسطين يستشهدون ويظلمون من قبل أقذر خلق الله.

لسان حال هؤلاء يقول:

لماذا تنكرون علينا متابعة مباريات كرة القدم؟

ما عسايَ أن أقدم لهم إن لم أشاهد المباريات؟

وهل ستشغلني ساعتان من وقت المباراة عن القضية؟

تخيل معي الآن أن تكون جالساً في بيتك بأمان الله فيدخل عليك فجأةً أربعة رجالٍ، ويقومون بتثبيتك في مكانك ثم يأخذون أمك بعيداً عن المنزل لينتزعوا حليّ الذهب عنها، وهي تصرخ في الشارع وتستغيث على مسمعٍ منك، لكنك جالسٌ في المنزل لا تستطيع الحراك.

هل تستطيع في هذه اللحظة الحرجة أن تقوم بمشاهدة التلفاز مثلاً، ومتابعة المباراة بينما ينتهي اللصوص من انتهاك حرمة أمك؟ فإذا قامت أمك برفع صوتها أكثر قمت أنت برفع صوت التلفاز ليطغى على صوتها، وفوق ذلك كله فقد سمعتك وهي في الشارع عندما اتصلت بصديقك وهنأته بنتيجة المباراة.

هلّا استحييت من نفسك وشاهدت المباراة وأنت مطرقٌ رأسك خجلاً، بدلاً من أن تشجع فريقك وتحتفل بفوزه على منصة الفيسبوك وأمام كل الناس، حتى تثبت لهم أن النخوة والمروءة ماتت في دمك؟

عجباً لك، فمن المعروف أن الإنسان إذا مات له عزيزٌ انقطعت شهيته عن الطعام لأيام، أما أنت فقد مات العشرات أما عينيك، ومع ذلك فها أنت تتابع المباريات ظناً منك أن هذا لن يؤثر على إخوتك في فلسطين.

وفي خضمّ حديثك واستنكارك لما يحدث أمامك ووصفك لأسوأ ما يمكن أن يتصرف به كائنٌ على وجه الأرض، يأتي من يضيف لك تعليقاً بأنك ستنفر الناس من الدين بسبب وجهك المقطب غير المبتسم.

عن أي دينٍ تتحدث وأمامك آلاف البشر قد شُرِّدوا وهُدِّمت بيوتهم؟

نحن نعيش في عالمٍ مليءٍ بالظلم والفقر، فما نشهده لا يقتصر على فلسطين فقط، فها هي المجاعات التي تجتاح قارة أفريقيا، وتحصد حتى هذه اللحظة أرواح الأطفال في كل دقيقةٍ بسبب شح المياه، وها هو التشرد يضرب مخيمات اللاجئين السوريين، وها هي الحروب تخلف الدمار في اليمن وفي غيرها من الدول.

إن ما يحصل في فلسطين اليوم ليس ظاهرةً جديدةً تشهدها البشرية، فهذه هي حال الدنيا، بينما رأيت على الجانب الآخر من الأرض كيف يقوم رجلٌ أمريكيٌّ بالنزول إلى الشارع في البرد والصقيع والثلج الذي يغطي المكان ليتنزه مع كلبه ويبحث عن مكانٍ يقضي الكلب به حاجته. لقد شعرت في تلك اللحظة أنني أعيش في أحد الأفلام التي يقسم بها البشر إلى قسمين، قسم العبيد وقسم النبلاء. وقد تفاجأت أثناء سيري في شوارع تلك البلاد بفتاةٍ تسير مع كلبها، فإذا به يريد أن يتبول في الشارع، فقلت لصديقي باستغرابٍ: ألا توجد عقوبةٌ على هذا الفعل المقزز هنا؟ فأومأ لي أن أتريّث قليلاً، فإذا بالفتاة تخرج منديلاً من حقيبتها لتزيل فضلات كلبها من على الرصيف.

ما هذا الذي أراه؟ هناك خطأٌ وتناقضٌ كبيرٌ فيما يحدث مع بني البشر، فلو اهتم هؤلاء ببني جنسهم الذين يعيشون معهم على نفس الكوكب كربع اهتمامهم بحيواناتهم الأليفة لما بقي جائعٌ على وجه الأرض. لكن، أصبحت مشاعر الاهتمام والرعاية تتوجه إلى الحيوانات بدلاً من البشر، وتظهر الشجاعة في التنزه مع الكلاب في البرد القارس، ورجولة الرجل في التمرد على والدته وقمع زوجته وضرب إخوته الصغار، أما المرأة فتتفنن في خداع زوجها وفعل كل ما تسوله لها نفسها خلسةً منه.

أصبحت العلاقات المحرمة والشذوذ الجنسي مقياساً للتطور والحضارة، وأوقات الجد والحزم هي أوقات متابعة المسلسلات ومباريات كرة القدم، أما الضحك والتسلية فهما لأوقات الحديث عن الدين وأمور الآخرة، بينما نتجاهل الحروب والمجاعات وانتشار الأمراض وامتلاء المستشفيات.

لا أدعو بكلامي هذا إلى الحزن واليأس والاكتئاب، بل يحق لنا أن نعيش حياةً سعيدةً ونأكل ونشرب ونفرح، ولكن يجب أن ندرك ما هي الأوقات والأماكن المناسبة للجد وما هي الأوقات والأماكن المناسبة للضحك.

تمتلئ شبكة الأنترنت بمقاطع الفيديو المضحكة، فبإمكان من يبحث عن الضحك أن يتابع هذه المقاطع ويضحك بكل حرية. ولكن ما يثير خوفي حقاً هو أن تتحول الحياة بأكملها عند بعض الأشخاص إلى ضحكٍ ولهو، فهمْ لا يكتفون بطمس بشريتهم، بل يطلبون ممن تثيره الحمية مما يحدث بأن يبتسم ويضحك معهم.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…

error

شارك بنشر الخير

YouTube
YouTube
Instagram
WhatsApp
fb-share-icon
Share

Subscribe To Our Newsletter

Join our mailing list to receive the latest news and updates from our team.

[newsletter]

You have Successfully Subscribed!