ها أنا ذا أمسك هاتفي المحمول، وأستمع إلى تلاوة القرآن الكريم!

نعم، إنني أستمع إلى كلام الله، وبكل يسر

فلمَ يدّعون إذن أن من يطرب لسماع الأغنيات لا يستطيع الاستماع إلى آيات كتاب الله!
إنهم يريدون حرماننا من تذوق جمال الفن وروعته، لأنهم لا يستطيعون فعل ذلك، فهم لا يمتلكون أي إحساسٍ فني.

ألم يسمعوا الأغنية التي تقول: “على صوتي بتهزي وسطك”!

مهلاً مهلاً، فأنا لم أقصد شيئاً آخر، بل أقصد مقطعاً في أغنيةٍ لأحد المغنين يقول فيها: “أكتر حاجة بحبها فيكي طييييييبة قلبك”، حيث أن أحداً لم يفهم المعنى بشكلٍ مختلف.

لا أعرف لماذا تراودني أمثلة الغزل الخفيف، أي الغزل غير العفيف، أو بصراحةٍ أكثر، تراودني أمثلة الغزل القبيح.

ولكن، هناك أغنياتٌ محترمةٌ جداً، فما المشكلة؟

كما أنني أعلم أن موضوع حرمة الموسيقا هو محل خلافٍ بين العلماء، فلا يقل لي أحدٌ عن أحاديث تحريم سماع الأغنيات، كما أن هناك عدداً كبيراً من العلماء الذين أحلوا الاستماع إليها، فما هي مشكلة بعض الناس مع الأغنيات إذن؟

أم أنهم يحقدون على بعض المطربين لأنهم حققوا نجاحاً في عملهم حتى التف حولهم عددٌ كبيرٌ من الجماهير، فأين تكمن مشكلتنا الحقيقية؟

أين تكمن المشكلة مثلاً مع مغنٍّ تمارَس كلُّ ألوان المنكرات في حفلاته، وأمام عينيه، من مخدراتٍ وخمورٍ وممارساتٍ محرمةٍ بين الشباب والفتيات، في حين أن المهنة الأساسية التي يقتات منها هذا الشخص هي توفير المكان والأجواء المناسبة لارتكاب كل هذه الموبقات.

أين المشكلة مع مغنٍّ تتلخص رسالته في الحياة على تشجيع الشباب والفتيات على ممارسة المحرّمات، وهو يظن أنها رسالةٌ سامية.

فها هو ذا يتغنى في حب السمراء والشقراء، وعشق هذه وتلك، وكأنه يعرف بدقةٍ كل نساء الأرض، فتنتابه الحيرة في اختيار إحداهن نديمةً له.

وها نحن نرى أن الشاب الذي شغلته ثلاث فتياتٍ وأردينه أرضاً قد أصبح فناناً متحضراً، ونحن نرقص ونمرح على كلامه هذا، بل ونكتبه كما الحكم التي تدرس للأجيال. أما عندما ينوي أحد الرجال المتزوجين أن يتزوج امرأةً ثانيةً ويحمل مسؤوليتها وفق شرع الله، نستنكر ذلك منه أشد الاستنكار ونلقبه بزير نساء.
بينما يتكلم المغني في أغنيته عن كل المحرمات التي تسوّل له نفسه ارتكابها، لكنه –ولله الحمد- لم يقل أنه سيتزوج ثانيةً وثالثةً، بل هو يصاحبهنّ ويعاشرهن في الحرام فقط.

برأيكم، ما هي المشكلة مع من يلوث فكر الأجيال الناشئة، ويملأ عقول أبنائنا بسفاسف الأمور التافهة، ويغرس فيهم فكرة مشروعية مصاحبة بنات الجوار والرقص والمجون معهن، بدلاً من تعريفهم بحقوق الجوار وأهمية غض البصر وصون عورات البيوت؟

كيف لا نجد أي مشكلةٍ مع من يصف أجسام أمهاتنا وأخواتنا في الأماكن العامة، ويقول “عود البطل ملفوف”، ونحن نجلس مع بعضنا ونتمتع برجولتنا الكاملة، بينما يتم وصف أجسام نسائنا، وكأن شيئاً لم يكن!
بل نستمع إليه ونصفق له أيضاً، فهل يصف هذا الماجن نساءً من كوكبٍ آخر مثلاً، فكلامه لا يعنينا، أم ماذا؟ أليست ابنتي وابنتك تلك التي يقول لها أن ترقص وتتمايل، أم أننا لسنا هنا؟إنني بالفعل لا أستوعب أمر هذا الفن المبتذل، وبخاصةٍ عندما يتم تشغيله بين رجالٍ جالسين مع زوجاتهم وبناتهم، فهل يظنون حينها أن هذا الكلام يعني نساءً غير نسائهم، يصف أجسامهن ويتكلم عن مفاتنهن؟
إن هذا الموقف لأشبه بأن نقوم جميعنا بمشاهدة فيلمٍ إباحيٍّ معاً، ودون أن نشعر بأي حرجٍ من ذلك.

وللأسف، نلاحظ إجماع كافة أطياف الشعب على مشروعية هذا الانحطاط الأخلاقي العلني الموجود في بعض الأغنيات -“هاتي بوسة وهاتي حتة”، “اركب الحنطور”-، فها هي تصدح في المواصلات العامة وفي الأفراح التي تخص كل طبقات الشعب، الغنية منها والفقيرة، ودون أن نرى أي استنكارٍ لهذا اللون الساقط من الفن.

ثم نجد من يقول إنه يستمع إليها، لكنه لا يحضر حفلات المجن ولا يقوم بأيٍّ من هذه الممارسات السيئة، فهو أشبه بمن يذهب لبائع الخمر ويشتري منه الزجاجات الفارغة ليلعق ما تبقى من أثر الخمر فيها.

هذا الذي يطلق عليه الفن ما هو إلا صناعةٌ نجسةٌ تدمرك أنت أولاً، وتدمر أسرتك أيضاً، وها أنت تجد نفسك غير مذنبٍ لأنك تقتصر على نشر تلك الأغاني الجميلة فقط، دون أن تحضر حفلات المطربين الماجنة.

إن ذلك مثيرٌ للسخرية، فأنت تعصي رب العالمين دون أي مقابل لقاء نشرك للأغنية، بينما كسب من يغنيها الأموال الطائلة.

إنني أسأل رب العباد أن يهدينا ويهديه، وأن يتوب علينا جميعاً ويغفر خطيئاتنا ويعصمنا من نار جهنم.

وعلى الرغم من كل ذلك، يأتي أحد الرويبضة لينكر حرمة هذه الأغنيات، فأي أغنياتٍ هذه؟
هل يطلق اسم الفن والغناء على أي كلامٍ مثيرٍ للقرف والاشمئزاز ومصحوبٍ ببعض الصخب الذي يهيج الأذنين؟

أليس الحرام والحلال بيّنين، عندما يصف المطرب مفاتن المرأة التي سترتها تحت عباءتها؟
كيف لا ترى أي حرجٍ من سماع هذا الكلام، حتى لو لم تجد رأياً شرعياً صريحاً بتحريمه؟
ألم يبقَ عندك ولو حتى قليلٌ من الرجولة أو الغيرة على بنات بلدك أمام رجلٍ يضع من شأنهن ويصف مفاتنهن ويشجعهن على هتك حرمة أجسادهن؟

فكيف لا تغضب ولا تشعر بالغصة والحرقة جراء من يتكلمون في أجساد نسائنا ويصفونها طيلة الوقت؟

إنني لا أتكلم هنا عن الحلال والحرام، بل أتكلم عن الشرف والعرض، فما أنت بفاعلٍ إن قال لك أحدهم إن أختك “بطل” أيها الرجل؟

هل ستبحث حينها عمّن يفتي لك بمشروعية هذا القول أو تحريمه، أم أنك ستقطع لسان هذا الشخص قبل أن يكمل جملته؟

كيف يصبح هذا القول بالنسبة لك مقبولاً بمجرد أن يكون مصحوباً بالموسيقا؟ أم أنك تراه كلاماً معسولاً لأنه يصف عورات بنات الناس، دون أن ترى فرقاً بين مسؤوليتك في صون شرفهن وبين مسؤوليتك في صون شرف أخواتك؟

مما يثير العجب، أن نرى من يبررون لأنفسهم ويبيحون لها الاستماع إلى الأغنيات المحترمة فقط، على الرغم من أن هذه الأغنيات تصدح من حناجر الفاسقين الذين يسوقون أتباعهم إلى جهنم زمراً، فهؤلاء يجب تجنب سماعهم في كل شيء، حتى لو كانوا يتكلمون في أمورٍ أخرى لا علاقة لها بالغناء.

إن معظم الكلام الموجود في هذه الأغنيات التي يصفونها بالمحترمة، ما هو إلا كلامٌ غثٌّ وضع بين السطور ليزرع في عقول أولادنا عاداتٍ مسمومةً ويفسد عليهم دينهم وعقيدتهم.

لا تسمح لفكرك وفكر أطفالك أن يتكون في بيئات السوء، ويتغذى على سمومها، وإذا كانت لديك نيةٌ حقيقيةٌ لفهم الكارثة التي وصلنا إليها، فتخيل كيف ستنشأ طفلةٌ وهي لا زالت بعمر الخمس سنواتٍ مثلاً، وهي تستمع بهذا العمر الصغير إلى كلامٍ ماجنٍ عن الرقص والتمايل، هل أدركت الآن ما نحن فيه؟

لذا لا تدّعي بأنك على الصراط المستقيم لمجرد أنك تستمع إلى تلاوة القرآن، لأنك لو استمعت له بإنصاتٍ كما ينبغي لفهمت معانيه السامية، وعندها ستندم أشد الندم لأنك لم تسمعه لأولادك وبناتك، وعندها أيضاً لن تسمح مطلقاً بأن يصل الكلام الماجن إلى مسامعهم.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…

error

شارك بنشر الخير

YouTube
YouTube
Instagram
WhatsApp
fb-share-icon
Share

Subscribe To Our Newsletter

Join our mailing list to receive the latest news and updates from our team.

[newsletter]

You have Successfully Subscribed!