بسم الله الرحمن الرحيم

سأسرد بدايةً بعض المعلومات التي تمكنك من فهم ما أريد قوله لك.

يبلغ عدد الدول الإسلامية في العالم 57 دولةً موزعةً على مساحةٍ قدرها 32 مليون كيلو مترٍ مربع، ويعيش فوق أراضيها مليارٌ و800 مليون إنسانٍ يدين بديانة الإسلام.

وإذا أردنا النظر فقط إلى الوطن العربي، فسنجد أن فيه 377 مليون إنسانٍ يتكلمون نفس اللغة ويتشاركون الأرض ذاتها، ولهم أهدافٌ وآمالٌ وألامٌ مشتركة، بينما يقابلهم في الكيان الغاصب 6 ملايين مستوطنٍ فقط!

أي أننا نحن العرب فقط نكثر هؤلاء المحتلين بستين ضعفاً، ونكثرهم كمسلمين بثلاثمئة ضعف.

ولكن!!

وفي كلمة “لكن” هذه يكمن بيت القصيد.

لأنني مهما حاولت أن أقنعك من بين كل السيناريوهات المنطقية وغير المنطقية التي قد تحصل إن نشب خلافٌ بين الملايين الستة وبين الملايين الثلاثمائة وسبعٍ وسبعين فلن أستطيع أن أصور لك الواقع الذي نعيشه اليوم.

بل قد يحتاج الأمر إلى كتّابٍ لسيناريوهات الخيال العلمي والفانتازيا حتى يفسروا لنا بأكثر الطرق جنوناً كيف استطاع هؤلاء الشرذمة القلة أن يملؤوا حياة 377 مليون نسمةٍ هماً وغماً في أغلى ما يملكون، أي في أرضهم وعرضهم وشرفهم.

كيف يمكن للواقع أن يكون خيالياً هكذا، من بين ملايين الاحتمالات المنطقية الأخرى التي قد تحصل إن نشب هذا الخلاف؟

Dome of the Rock. The most known mosque in Jerusalem.

وأحب أن أطمئنك، أنك لو جلست لتحلل الأسباب التي أدت لواقعنا المتردي الذي نعيشه اليوم فستصل إلى أجوبةٍ منطقيةٍ جداً، لكنني لا أريد التحدث فيما مضى وأنا أكتفي بالنظر إلى هذا الواقع، ولا أريد أن أتحسر على ما فعلناه وما لم نفعله، ولا أن أبرر ما يحدث بأن أعداءنا القلة لديهم من يقف وراءهم ويحمي ظهورهم.

دعنا من كل ذلك، ولنكمل فيما سيأتي…

انطلاقاً من أنني وجدت نفسي في هذا الموقف الذي لا أحسد عليه، ولا يقبله أي مخلوقٍ على هذه الأرض، فلن أتكلم من كوني مسلماً أو مسيحياً أو إنساناً أو حتى حيواناً، فهذا الظلم الذي يُمارَس علينا لا يُقبَل حتى على الحيوان، فكيف ببني البشر!

وها هم يفخرون بهذا الظلم ويحاولون إقناعنا بأن ما يفعلونه منطقيٌّ وقانوني، ويأتي أحدهم ليقول لك: “نحن كلنا لصوص، فإن لم أستلب منك منزلك فسأتركه للصٍّ غيري ليأخذه، فلم أفعل ذلك وأتركهم يظنون أنني لا أجيد السرقة”.

ما عساي أن أفعل الآن لأغير هذا الواقع المرير الذي لا أرتضيه لأمتي وقد وجدت الأمم قد تكالبت على إذلالها ونهب ثرواتها؟

هل صحيحٌ أن ما باليد حيلةً كما يقولون؟

إن كنت قد تبنّيت أنت أيضاً هذه القناعة بأننا غير قادرين على تحريك ساكن، فأتمنى منك أن تصغي لما سأقوله لك.

إنني على يقينٍ بأن في عقولنا ألف حيلةٍ وحيلة، وهذا ما سأتكلم به، وهو الخطوات الحقيقية التي بإمكاننا أن نغير فيها هذا الواقع المؤسف.

فركز معي…

 

أولاً، لا تستغيثوا بمن لا يُستغاث بهم، حيث نجد وسط كل هذا الظلم والقهر والموت من يستنجدون بالمجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان، ويعلقون آمالهم عليهم.

إن هذا لأشبه بمن يأكل صفعةً من الخلف، فإذا أدار رأسه رأى شخصاً واحداً فقط، وبدل أن يسترد اعتباره منه يشتكي إليه بكل سذاجةٍ ظناً منه أنه سيحميه، فإذا به يصفعه مرةً أخرى فيستغيث به ويطلب منه الحماية مرةً بعد المرة.

هكذا هي حالنا منذ 100 عام، لأننا نستغيث بمن لا يستغاث بهم.

ثانياً، تخيّل معي أنك دخلت في شجارٍ مع شخصٍ ما، فتمكّن منك وأوقعك أرضاً، ثم أمسك هاتفه المحمول ونشر منشوراً يثير استفزازك على وسائل التواصل الاجتماعي.

إنه لموقفٌ يثير الشفقة والسخرية أن تمسك هاتفك وأنت لا زلت مرمياً على الأرض لترد على خصمك وتشتمه، في حين أن أهم ما يمكن أن تفعله في هذه اللحظة هو أن تقف على قدميك مرةً أخرى، ثم تأتي تصفية الحسابات فيما بعد، وكل ما سوى ذلك سيعتبر اعترافاً منك بالهزيمة وموافقةً على التواصل مع خصمك الذي ما زال مستمراً في إيذائك.

وبالتالي فإن ما يجب علينا فعله تجاه المتحدث الإعلامي للجيش الإسرائيلي المدعو “أفيخاي” هو تجاهله تماماً، فهو يشعر بسعادةٍ غامرةٍ عندما يستنزف طاقاتنا بالرد عليه بل وبشتمه أيضاً.

لقد ساعدْنا ذلك الرجلَ من حيث لا ندري في دخوله إلى كل بيتٍ من بيوتنا، أما لو تجاهلناه فلن يبقى لوجوده أي معنىً أو أي قيمة، فالأهم الآن هو أن ننهض من جديد، ونرمم البشر والحجر، وبعدها فلكل حادثٍ حديث.

وهنا يأتي السؤال، كيف نعاود النهوض مجدداً؟

يتطلب ذلك القيام بأهم خطوةٍ وهي الخطوة الثالثة.

ثالثاً، يجب علينا أن نكون رجالاً بكل معنى الكلمة، وأن نشحذ همتنا ورجولتنا، فمن العار أن نشاهد أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا يحاربن العدو بأنفسهن، ونحن لا نحرك ساكناً ونكتفي باتباع “الهاشتاغ” على مواقع التواصل الاجتماعي.

أصبح الأطفال في فلسطين يستشهدون اليوم دفاعاً عن قضيتهم، بينما لا زال العرب غارقين في الخلافات والنزاعات. لا بل ونسمع العجب العجاب من بعض العرب الخونة الذين يزعمون أن ما يحصل في غزة سببه أهلها أنفسهم، ومنهم من يتهم رجال المقاومة بالإرهاب، وهو مردودٌ عليه.

أين رجال الدين المسلمين الذين لم ينبسوا ببنت شفة، وأين هم بعض نجوم العرب الرياضيين؟

فما سكوتهم إلا عمالةٌ وخيانة

 

عربٌ متنازعون متخاصمون في خضمّ الحرب بين إسرائيل وبين فلسطين التي تحارب نيابةً عنهم جميعاً، وهذا واضحٌ وضوح الشمس حتى على موقع الفيسبوك الذي أصبح مثيراً للاشمئزاز جراء الكم الهائل من الشتائم والشجارات والتصنيفات بين العرب، فيا شماتة أعدائنا بنا!

ولا يعذرنا أيضاً أن نقتصر على الدعاء على أعدائنا، فها نحن ندعو عليهم منذ عشرات السنين دون أن يستجاب لنا.

نحن نريد الذهاب إلى ساحة المعركة، افتحوا لنا الحدود وأمدّونا بالسلاح.

انظر إلى خلافات العرب على مواقع التواصل الاجتماعي، فهل أنت مدركٌ لما سيحدث بينهم في ساحة المعركة لو كان السلاح بأيديهم؟

نعم، سيقضون على بعضهم بعضاً قبل أن يصلوا إلى حدود فلسطين، وربما لم يأذن الله لنا بالمشاركة في القتال بعد لأن حكمته ورحمته بنا تقتضي ذلك. لذا، لا بد لنا أن نتحد جميعاً على قلب رجلٍ واحد، وعندها لن يحتاج القضاء على 6 ملايين مغتصبٍ إلى خوض حربٍ أصلاً.

لب الموضوع هنا لا يتعلق بالحرب بتاتاً، بل يعود أصل المشكلة أن هناك 377 مليون عربي مسلم أشداء على بعضهم بعضاً، ومع ذلك تجدهم يشعرون بالحيرة لأن إلههم لم ينصرهم بعد، ويطلبون من ربهم النصر لأنه وعد عباده بنصرة الحق.

نعم، ها أنت أقررت بأن الله سبحانه وتعالى قد وعد عباده بنصرة الحق، فأين هذا الحق كي ينصره؟

ها نحن اليوم عاجزون أن نتحد على الرغم من أن أطفالنا يقتلون أمام أعيننا، فكيف سيكون حالنا إن انتصرنا؟ هل سنتحول إلى “زومبي”؟ أم أننا سنصبح رجالاً ونتقبل الخلافات التي بيننا؟

عندما صرح الفنان “محمد رمضان” أنه سيتبرع بأرباح عمله القادم إلى الهلال الأحمر الفلسطيني، قابله بعضهم بالسخرية والاستهزاء بحجة أن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً، وقد نسي هؤلاء أن هذا الشخص مغنٍّ وليس داعيةً أو شيخاً.

دعونا الآن نقف متحدين أمام أعدائنا، ثم نتناصح فيما بعد. فلنشجع هذا الفنان ونشكره على نيته الطيبة ونغض الطرف قليلاً عن أخطائه الأخرى.

وقس على ذلك موقف الفنان “محمد هنيدي” عندما كتب عن القضية الفلسطينية وتضامن مع إخوتنا في فلسطين، فبدلاً من تشجيعه وشكره تم شتمه واتهامه بالمتاجرة بدمائهم.

وهكذا رأينا أن من يتضامن مع القضية عبر وسائل التواصل الاجتماعي يُشتَم ويُتّهم بالمتاجرة بها، وأن من لم يقم بأي ردة فعل يُتّهم بالخيانة والعمالة. 

عندما كنت أفكر في حلٍّ عمليٍّ لما يحدث، كتبت على صفحتي آيةً كريمةً هي من أكثر الآيات التي تثبت المؤمنين في الحروب والمواقف العصيبة، وهي قوله تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم “وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ”[1]

إنها آيةٌ من كتاب الله عز وجل الذي أنزله قرآناً عربياً يجب ألا يختلف فيه اثنان من المسلمين، ولا أريد أن أزيد على هذا القول ما يعزز الخلاف بيننا اليوم.

ولكنني صُدمت أنني اُشتَم أيضاً، وأُنعَتُ بالجبن وبقلة الرجولة…

المقصد من كل ما سبق أن التضامن مع القضية الفلسطينية بمجرد الكلام في بلدٍ عربيٍّ مثل مصر أو غيرها لا يحتاج إلى شجاعةٍ وقلبٍ قوي، فهذا الكلام هو أضعف الإيمان الذي يجب علينا فعله. فقد تكلم الممثلون والفنانون وتكلمت مصر كلها حكومةً وشعباً، فإذا وجدت أن أحداً ما لم يعلّق على ما يحدث فلا يدل ذلك أبداً على خوفه أو ضعفه، فلربما لديه طرقه الأخرى التي يدعم بها إخوته في فلسطين، كالدعاء لهم بالنصر طيلة الليل والنهار، أو التبرع بماله للهلال الأحمر الفلسطيني، وغير ذلك.

كفوا إذن عن تبادل الاتهامات، فمن يستطع منكم دعم قضية فلسطين عن طريق نشر الحقيقة عبر صفحات الإنترنت ودعم “الهاشتاغ” في مواقع التواصل الاجتماعي فليفعل، فبذلك سنثبت لبعضنا بعضاً و لإخواننا المرابطين أننا متواجدون لنعلن ولاءنا ودعمنا لهم، ولنعلن أننا فخورون بهم و بإنجازاتهم البطولية.

ومن ير منكم أن دعم إخوتنا في فلسطين عبر الإنترنت لا قيمة له، فليتبرع لهم بشيءٍ من ماله، أو ليكثر لهم من الدعاء في الليل وفي النهار.

واجبك اليوم كمسلمٍ أن تتعلم تعاليم دينك الحنيف وتعلمه لغيرك وتتكلم عن هذا الدين وتكون سفيراً حسناً له لتؤلف بين القلوب.

ركز في الرسالة التي بعثك الله لأجلها ولا تشغل نفسك في انتظار النصر الذي طال أمده، فمن سنن الكون أن دوام الحال من المحال، كما تقول الآية الكريمة:

بسم الله الرحمن الرحيم (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)[2]

ولتعلم أن كل ما تراه ما هو إلا اختبارٌ بسيطٌ لنا، وأن من بيننا أناساً يعيشون معنا ستكون لهم منزلةٌ رفيعةٌ عند الله تعالى في الحياة الآخرة، فحاول أن تكون منهم لأن فوز الآخرة هو الفوز الحقيقي.

ولننسَ الخلافات التي بيننا في الحرب، ولنتحد جميعاً، متدينين وعصاةً، مسلمين ومسيحيين، أغنياء وفقراء، أقوياء وضعفاء.

فالطريق الوحيدة لكسب الحرب هي أن نكون جميعنا متحدين على كلمة الحق، وإلا فسيبقى 377 مليون عربي يعيشون تحت إذلال 6 ملايين إسرائيلي، دون أن يكون في يدهم حيلة.

وفي السلام ختام.

 

[1] سورة آل عمران (139)

[2] سورة آل عمران (140)

 

error

شارك بنشر الخير

YouTube
YouTube
Instagram
WhatsApp
fb-share-icon
Share

Subscribe To Our Newsletter

Join our mailing list to receive the latest news and updates from our team.

[newsletter]

You have Successfully Subscribed!